محمد متولي الشعراوي
9069
تفسير الشعراوي
الأمر بالانتفاع قال : { فَكُلِي واشربي } [ مريم : 26 ] فبدأ بالطعام قبل الشراب ، لماذا ؟ لأن الإنسان عادةً يأكل أولاً ، ثم يشرب ، فالماء مع أهميته ، إلا أنه يأتي في العادة بعد الطعام ، فسبحان مَنْ هذا كلامه . وقوله : { وَقَرِّي عَيْناً } [ مريم : 26 ] بعد أن وفَّر لها الحق سبحانه الطعام والشراب الذي هو قِوَام المادة ، وبه يتم استبقاء الحياة ، لكن بعد الطعام والشراب يبقى لديها حُزْن عميق وألم وحَيْرة مِمَّا هي فيه ؛ لذلك يعطيها ربها تبارك وتعالى بعد القوت الذي هو قوام المادة يعطيها السكينة والطمأنينة ويُخفِّف عنها ألم النفس وحَيْرة الفؤاد . { وَقَرِّي عَيْناً } [ مريم : 26 ] قرّي : أي : اسكني . وهذا التعبير عند العرب كناية عن السرور ، ومنه قوله تعالى على لسان امرأة فرعون : { قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ } [ القصص : 9 ] . والعرب تعبر بِقُرَّة العين وسكونها عن السرور ؛ لأن سكون العين على مَرأَىً واحد لا تتحول عنه دليلٌ على أن العين صادفت مرأى جميلاً تسعد به وتُسَرُّ فلا يُغني عنه مَرأْىً آخر ، فتظل ساكنة عليه لا تتحرك عنه . وقد يستعمل هذه التعبير في المقابل أي : في الشر والدعاء على إنسان وتمني الشر له ، كالمرأة التي دخلتْ على أحد الخلفاء فنهرَها فقالت له : أتمَّ الله عليك نعمته وأقرَّ عينك . فظنَّ الحضور أنها تدعو له ، لكنه فَطِن لمرادها ، فقال لجلسائه : ما فهمتم ما تقول ، إنها